اتخذت معركة النقاب في مصر بعدا جديدا، بعد صدور حكم قضائي بمنع ارتدائه في الجامعات أثناء الامتحانات. حيث قوبل هذا الحكم- الذي جاء تأييدا لقرار وزير التعليم العالي هاني هلال، استندادا إلى البعد الأمني وإمكانية التخفي وراء النقاب- بغضب شديد من قبل الطالبات المنتقبات، وقررن ضمنيا عدم الالتزام بالحكم والتحايل عليه بشتى الطرق والوسائل الممكنة. وهو ما تجلى بعد ذلك في لجوء المنتقبات إلى حيلة مشروعة ليحتفظن بحقهن في ارتداء النقاب داخل لجان الامتحانات، حيث ارتدين الكمامات الطبية، التي انتشرت في مصر مؤخرا بعد تفشي عدوى انفلونزا الخنازير، وهي حيلة طريفة لا يستطيع أحد أن يعترض عليها، أو يطالب الفتيات بخلع تلك الأقنعة التي استخدموها بديلا لغطاء الوجه في زي النقاب. البعد الجديد الذي حملته تلك المعركة، تمثل في تحويل تلك الأزمة إلى قضية وجود وحضور لبعض التيارات الدينية والسياسية داخل الجامعة. فقد استغل التيار السلفي تلك الأزمة ليثبت حضوره ووجوده داخل الحرم الجامعي، في محاولة لاستغلال الأزمة سياسيا ودينيا على السواء. فالتيار السلفي لا يلقى حضورا أو وجودا واضحا وقويا داخل الجامعة، سواء على مستوى النشاط أو الخدمات أو غيرهما من المستويات. إلا أنه حاضر بقوة على المستوى الواقعي، ويكاد أن يكون هو البديل الجاهز والأكثر قوة وخطورة في العمل الجامعي، بعد انحسار تيار الإخوان المسلمين الذي كان يشغل حيزا كبيرا، ويحظى بجماهيرية كبيرة على مستوى الأنشطة والصراع للاستحواذ على اتحادات الطلبة في الجامعات والكليات المصرية المختلفة. وهو ما ركز فيه الأمن أو الحرس الجامعي بقدر كبير، وتناسى أو تجاهل التيار الديني الآخر الذي ينمو ويتصاعد نفوذه داخل الجامعة. وهو التيار السلفي الأكثر تشددا وخطورة ممن عرفوا بـ" طلبة الإخوان"، فتم استبعاد الإخوان والتصدي لهم بقوة، حتى انحسر وجودهم إلى حد كبير داخل الحرم الجامعي. وبدأ المنتمون الى هذا التيار يقابِلون التعسف الأمني تجاههم بالاتجاه إلى التشدد والأصولية والسلفية. وحاولت هذه القوى الطلابية الجديدة أن تثبت وجودها داخل الجامعة، أو بمعنى آخر تعلن عن نفسها، ووجدت الفرصة مواتية في معركة النقاب لأكثر من سبب، منها استغلال القول بأن النقاب حرية شخصية، وأنه لا يصح ولا يمكن قانونا منع المنتقبات من دخول الجامعة، وأن هذا الزي يمثل بالنسبة لهم جزءا أساسيا من العقيدة، أو من توجهاتهم وأفكارهم عن الدين. بدأ السلفيون يستغلون تلك الأزمة، عندما تواردت أخبار عن قيام بعض الطلبة في عدد من جامعات مصر، خصوصا جامعة الزقازيق، بالتضامن مع زميلاتهم المنتقبات ضد قرار منعهن من دخول الامتحانات منتقاب. وإذا كان بعض هؤلاء الطلبة يمكن أن يكونوا منتمين لأكثر من تيار أو اتجاه، إلا أن المؤكد أن معظمهم ينتمون للتيار الإسلامي السلفي الذي بدأ يحل مكان طلبة الإخوان في الجامعات المصرية. وبصرف النظر عن النسبة الضئيلة من الطلبة الذين أعلنوا تضامنهم مع زميلاتهم بدافع حقوقي، باعتبار أن القرار يتنافي مع الحرية الشخصية، فقد أثبتت هذه الأحداث أن التيار السلفي أو الديني المتشدد يشق طريقة بقوة، ويحاول أن يفرض حضوره داخل الجامعة. وأنه سيستغل كافة الأحداث والمواقف والقرارات التي تمس الدين من قريب أو بعيد؛ ليلعب دورا داخل الحرم الجامعي، لتنتقل ظاهرة النقاب من حيز الخلاف الديني بين مشايخ الأزهر والمؤسسة الرسمية التي لا ترى فيه مظهرا دينيا من جانب، وبين التيارات المتشددة التي ترى فيه جوهر الدين من جانب آخر، ليتحول إلى صراع على الحضور والتواجد للتيار السلفي المتشدد. وربما يكون تضامن هؤلاء الطلبة مع زميلاتهم المنتقبات داخل الحرم الجامعي، مجرد بروفة أو اختبار لمواجهةٍ أكبر، يمكن أن يشهدها الشارع المصري، أو على الأقل مؤسسات أخرى تشهد كثافة جماهيرية، خلال الفترة المقبلة. تجلي أزمة النقاب داخل الجامعات بما فيها جامعة الأزهر التي اشتعلت فيها تلك المعركة، قبل حتى أن تظهر في الجامعات العامة، بداية لظهور تلك الظاهرة على السطح بشكل كبير، لتصبح قضية مواجهة وليست قضية خلاف أو اختلاف حول الأفكار، بل قضية وجود وتأثير واختبار قوة تجريه بعض التيارات الدينية في المجتمع المصري. فضلا عما تمثله تلك المعركة من زيادة نفوذ السلفيين ورغبتهم في فرض قوانينهم وأسلوب الحياة الخاص بهم على المجتمع، باعتبارهم يمثلون الإسلام الصحيح. وهو ما يتنافى تماما مع وجهة نظر المؤسسة الدينية الرسمية التي ترى في النقاب مظهرا دينيا، يدل على التشدد والتطرف، ولا يمت بصِلة الى حقيقة الدين وجوهره.